المقالات

طباعة

الأعراض الجسمية نفسية المنشأ في الطب النفسي

Posted in المجتمع

behave-kidترتبط الأعراض والشكاوى الجسمية في أذهان العامة والاختصاصيين بالأمراض الجسمية التي تصيب الجسم وأعضائه المختلفة .. وهذا بالطبع يخالف الحقيقة . فالعلاقة بين الجسم والنفس علاقة وطيدة وتكاملية ، والجسم البشري يتأثر بالتكوين النفسي للإنسان وباضطراباته النفسية ، كما يؤثر الجسسد والتكوين العضوي للجسم في التكوين النفسي بشكل واضح .

 

وإذا أردنا التعرف على مجموعة الأعراض الجسمية وأنواعها التي ترتبط بالعوامل والاضطرابات النفسية فإننا سنجد أن هذا الميدان واسع جداً ، وتتنوع تصنيفاته وتتعدل باستمرار

وفقاً للدراسات والأبحاث التي تجري في هذا المجال والذي يكتنفه الغموض والتعقيد والبحث المستمر.

وللتبسيط فإنه يمكن تقسيم هذه الأعراض الجسمية الشائعة ذات المنشا النفسي إلى عدة مجموعات :

1- الاضطرابات ذات الشكل الجسمي ( Somatoform disorders) :

وهي اضطرابات شائعة وتضم عدة أنواع .. وهي تتميز بعدم وجود أية أسباب طبية مرضية أو تغيرات فيزيولوجية تفسر وجود الأعراض الجسمية التي يشطو منها المريض . ومنها :

- الاضطرابات التحويلية ( الهيستيريا التحويلية)( Conversion disorders) وهي تتميز بظهور أعراض مرضية وفقدان في الوظائف الطبيعية الحركية والحواسية مما يوحي بالإصابة        بمرض عصبي أو طبي عام ( للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع أنظر إلى الموضوع التالي الاضطرابات التحويلية : مظاهرها ، أسبابها وطرق العلاج) .

- الاضطراب التجسيمي ( الجسدنة) ( Somatization disorder) :

وهو يتميز بظهور أعراض جسمية متعددة قبل سن الثلاثين عاماً وهذه الأعراض تستمر لسنوات وتؤدي لإعاقة المريض مهنياً أو اجتماعياً أو شخصياً . وتتضمن أعراضه أربعة من          أعراض الألم على الأقل، مثل آلام الرأس والبطن والظهر والمفاصل والصدر ومواضع أخرى . وأيضاً اثنين من الأعراض الهضمية مثل الغثيان والإقياء والإسهال . وأيضاً أحد الأعراض      الجنسية التناسلية مثل عدم انتظام الدورة الشهرية وإقياءات الحمل وغيرها . وأيضاً أحد الأعراض العصبية غير الحقيقية . وكل هذه الأعراض تظهر خلال تاريخ المرض . وهذا             الاضطراب شديد ويتطلب تشخيصه وجود عدد معين من الأعراض كما ذكرنا . وهناك شكل مخفف منه وأقل شدة وربما يكون أكثر شيوعاً .

والاضطراب التجسيمي يزداد انتشاره عند المرأة وبنسبة 5 إلى 1 عند الرجال . وربما تصل نسبته إلى 2-3% من النساء . وله أسباب وراثية ويرتبط بعوامل نفسية وبتطور الشخصية     وظروفها .


- اضطرابات الألم ( Pain disorder):

وهي شائعة جداً وفيها يشكو المرض من ألم في موضع معين من الجسم أو في عدة مواضع، مما يسبب له معاناة واضحة وتأثيراً على أدائه العملي والاجتماعي ، وهو يرتبط           بالعوامل النفسية في منشئه أو في زيادة شدته أو في استمراريته، ويمكن أن يكون الألم حاداً أو مزمناً كما يمكن أن يتزامن مع عوامل نفسية واضحة إضافة لعوامل عضوية .      وأهم مواضع الألم هي البطن والوجه والحوض واارأس والصدر.

-       الخوف من الأمراض (Hypochondriasis):

وهو اضطراب شائع ويعني خوف المريض من أن يكون لديه مرض جسمي خطير ولذلك فهو يتفحص جسمه باستمرار ويفسر بعض الأعراض العادية أو الفيزيولوجية على أنها خطرة وتدل على احتمال الإصابة بأحد الأمراض الخطيرة مثل الأورام الخبيثة أو متلازمة نقص المناعة وغيرها . والمريض عادة لايستجيب للتطمين ونتائج الفحوصات السليمة إلا بشكل مؤقت حيث يعاوده القلق والتفكير في مرض جسمه ويراجع عديداً من الأطباء.

-       الخوف من تشوه الجسم (Dysmorphophobia):

وهو يعني قلق المريض المستمر واهتمامه بشكل أعضاء الجسم الظاهرية وأن فيها عيباً شكلياً وبشكل مبالغ فيه وهذا القلق والاهتمام يسيطر على تفكير المريض وحياته ، مثل شكل الأنف والوجه والأذنين والأعضاء الجنسية. وهؤلاء المرضى يراجعون أطباء التجميل والجلدية والأنف والأذن لإصلاح العيوب وإجراء الجراحات دون ضرورة .

وهذا الاضطراب يظهر في سن المراهقة وبداية الشباب وأيضاً في مرحلة انقطاع الدورة الشهرية عند النساء، ويرافقه الرهاب الاجتماعي وتجنب العلاقات الاجتماعية وأيضاً الاكتئاب . وهو يأخذ شكلاً وسواسياً مسيطراً على تفكير المريض وقد يصل إلى مرحلة الهذيان والذهان.

-       الاضطراب ذو الشكل الجسمي غير المحدد ( Not specified somatoform disorder):

ويشمل عدداً من الأعراض الجسمية التي لاتصنف ضمن الاضطرابات سابقة الذكر مثل الحمل الكاذب ( Pseudocysis) حيث يحدث بروز للبطن وتقلص عضلات الظهر وانقطاع الطمث دون وجود حمل أو اي اضطراب هرموني .. وهو نادر الحدوث.

وأيضاً " الضعف الجسمي العام " وغير ذلك .

2- الاضطراب التصنعي واضطراب إدعاء المرض ( Factitious disorder,Malingering):

وهي تعني إحداث الأعراض المرضية بشكل إرادي من خلال تقليد الأعراض الطبية المعروفة الجسمية أو النفسية . وفي الاضطراب التصنعي لايجني المريض أي هدف سوى اتخاذه وضعية المريض . بينما في حالات إدعاء المرض يجني المريض عادة فوائد ومكاسب معينة . وقد يصعب أحياناً التفريق بين هذين الاضطرابين .. وهذه الحالات تتميز بالإثارة والغرابة وهي ليست نادرة ( للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع أنظر إلى موضوع : الاضطراتب التصنعي ).

3- الأعراض الجسمية المرافقة لاضطرابات نفسية محددة :

مثل تسرع نبضات القلب ، ضيق التنفس ، الرجفة وعدم التوازن وغيرها .. في اضطرابات القلق العام واضطراب الهلع . وأيضاً نقص الشهية وفقدان الوزن في حالات الاكتئاب . واضطرابات الوظيفة الجنسية مثل عدم الانتصاب وسرعة القذف في حالات الاضطرابات الجنسية المحددة . وأيضاً انقطاع الدورة الشهرية ونقص الوزن الشديد في حالات القمه العصبي ( Anorexia Nervorsa) وهي من اضطرابات الطعام المحددة ، وغير ذلك ..


 

4- الاضطرابات النفسية الجسمية ( Psychosomatic disorders):

وتسمى أيضاً العوامل النفسية المؤثرة على حالات عضوية ( Psychological factors affecting physical conditions ). وفي هذه الحالات نجد المجال خصباً للتعرف على العلاقة القائمة بين النفس والجسد ، وقد تطور هذا الميدان الذي يبحث في عدد من الأمراض الجسمية وعلاقتها بالعوامل النفسية وحجم تأثيرها وكيفيته .. ولايزال الغموض كبيراً ولكن الاهتمام بهذا الميدان بدأ يزداد بشكل ملحوظ ، وفي الوقت الحاضر لدينا كمية هائلة من المعلومات والتفاصيل التي تتعلق بعدد من الأمراض الجسمية الشائعة.. ولاتزال الأبحاث مستمرة .

وهذه الأمراض الجسمية تشمل : اضطرابات القلب والأوعية الدموية : ومنها ارتفاع ضغط الدم وأمراض شرايين القلب وانسدال الدسام التاجي . وأيضاً الاضطرابات التنفسية : وأهمها الربو والحساسية الصدرية وفرط التهوية . وفي الأمراض الهضمية : لدينا مرض تشنج القولون وتهيجه ( القولون العصبي) وداء كرون ، والتهاب القولون القرحي والقرحة الهضمية . وفي الاضطرابات الجلدية : الحكة وفرط التعرق والحساسية . وفي أمراض الغدد الصماء : الداء السكري وهبوط السكر وفرط أو نقص نشاط الغدة الدرقية وأيضاً الغدة نظيرة الدرقية . وغير ذلك من الاضطرابات مثل تناذر ماقبل الدورة الشهرية وألم أسفل الظهر وغيره.

وتختلف الدراسات حول تحديد المراض الجسمية التي يمكن للعوامل النفسية أن تؤثر فيها، وبعضها يعتبر العديد من الأمراض المناعية ضمن هذا المجال مثل داء المفاصل الرثواني وداء الصدفية الجلدي .

والدراسات الحديثة تضمنت أبحاثاً عديدة حول السرطانات وأثر العوامل النفسية في اضطراب المناعة المؤدي إلى ظهور الأورام الخبيثة ، وأيضاً حول أثر العوامل النفسية في تحسنها واختفائها ، ولاتزال الدراسات في بداياتها .

 

5- اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي ذات المنشأ النفسي ( Psychogenic Autonomic disorders):

وهي تعني وجود تغيرات فيزيولوجية في عدد من أعضاء وأجهزة الجسم التي ترتبط تشريحياً بالجهاز العصبي الذاتي غير الإرادي مثل القلب والمعدة والأمعاء والمثانة . وتلعب العوامل النفسية في إحداث اضطرابات وأعراض جسمية محددة في هذه الأعضاء . مثل: ازدياد النبض الجيبي ( Sinus tachycardia) واضطرابات نظم القلب الأخرى السليمة. وأيضاً انقباض المعدة ، وازدياد حموضتها ، والفواق ( Hicough) ، والإسهال العصبي ، وصعوبة التبول وتكراره ، وغير ذلك .

وبعض هذه الاضطرابات السابقة يمكن تصنيفها ضمن الاضطرابات ذات الشكل الجسمي إذا ترافقت مع أعراض نفسية محددة . وبعض الباحثين يعتبر هذه الاضطرابات مستقلة.

كلمة أخيرة:

لابد من التأكيد على فحص المريض جسمياً وإجراء الفحوصات والاستقصاءات الضرورية قبل اعتبار أن الأعراض هي نفسية المنشأ ..وكثير من الأطباء يوضح للمريض أنه سليم ولايوجد لديه مرض عضوي .. ولايرضي ذلك المريض عادة لأن الأعراض الجسمية موجودة فعلاً وليست خيالية او مصطنعة ( إلا في حالات الاضطراب التصنعي ) ، وهذا مايجعل المريض غاضباً أو غير متعاون . ومن الأفضل تقديم الشروح والتفاصيل حول تعريف المرض الجسمي وتوضيح أن المريض يشكو من التوتر والإجهاد الذي يؤثر على أعضاء الجسم وعلى أدائها الطبيعي ، وأن هذا الاضطراب في حد ذاته اضطراب واقعي وهو يحتاج للعلاج المناسب .


وأما بالنسبة لعلاج هذه الحالات فإن مضادات الكتئاب الحديثة تفيد في عدد منها وهذه الأدوية تعمل كمضاد للقلق والتوتر إضافة لكونها مضاد اكتئاب . وفي حالات الخوف من الأمراض والخوف من تشوه الجسم تفيد مضادات الاكتئاب من زمرة مضادات السيروتينين على اعتبار أن هذه الحالات مرتبطة بطيف الاضطراب الوسواسي القهري . كما تفيد المهدئات في بعض الحالات الأخرى . ويلعب العلاج النفسي الداعم والمشاورة النفسية والعلاج السلوكي دوراً مفيداً في عدد من هذه الاضطرابات . وكذلك يفيد العلاج التأهيلي والإيحائي في حالات الاضطرابات التحويلية .

ولابد من الإشارة إلى أن الاضطرابات ذات الشكل الجسمي وغيرها من الأعراض الجسمية المرتبطة بالعوامل النفسية ربما تكون أكثر انتشاراً في بلادنا وفي المجتمعات النامية مقارنة مع الدول الأكثر تطوراً . ويعود ذلك إلى الاستعمال الشائع للجسد كلغة تعبيرية عن الإحباطات والآلام والمعاناة وطلب العون . ولعل لغة الشكوى الجسمية هي اللغة الأساسية للتفاهم بين الطبيب والمريض وبين المريض ومن حوله من الأهل والأصدقاء . حيث لاتزال اللغة النفسية والتعبير عن المشاعر وتفصيلها من الأمور غير الشائعة لأنها ترتبط بدرجة الوعي وأيضاً بعدد من الممنوعات التربوية والاجتماعية والثقافية . وهذا مايوضح صعوبة التعامل مع مثل هذه الحالات في كثير من الأحيان .وأيضاً يبين حجم المعاناة والآثار السلبية الكثيرة الناتجة عن حرمان هؤلاء المرضى من التشخيص المناسب ومن العلاج المناسب . كما يدعو ذلك إلى ضرورة زيادة وتعميق الوعي النفسي في مجتمعاتنا .

 

المصدر : www.hayatnafs.com